الشعر والرؤيا
فتح الشعر العربي الحديث أبوابا فسيحة لمد النص الشعري إلى أوسع حدود القول، وذلك من أجل توسيع شبكة الدلالات المحتملة للنص. ولعل أقوى العناصر التي استخدمها الشعر الحديث لتحقيق هذا الغرض عنصر "الرؤيا"، بوصفه شكلا تعبيريا يساعد على التخييل وفتح النص على المستقبل الذي يراهن عليه شعر الحداثة في أغلب اتجاهاته.
إن الرؤيا شكل من أشكال المعرفة يسعى إلى الانفلات من قيود الزمان والمكان، ويتجه نحو المستقبل ليحكم عليه أو يفسره تفسيرا لا يعتمد على المنطق ولا العقل، وإنما على قدرات خاصة يضطلع فيها التأمل والاستبطان بالدور الحاسم في ذلك التفسير. فالرؤيا من حيث البعد الدلالي تشبه الحلم تماما في استعصائها على التحديد النهائي، لتبقى دوما منفتحة على احتمالات التأويل.
ومن الخصائص الجوهرية للرؤيا تعدد الإيحاء؛ فهي توحي بالمحسوس ولا تباشره، كما توحي أيضا بالنموذج البدني والمثالي والروحي، وقد توحي بالكشف عن بصيرة إنسان شبه مقدس: نبي، كاهن، مجنون، ساحر، فينكشف - أمام هؤلاء - الشيء بطبيعته التي هو عليها، أو في الصورة التي ينبغي أن يكون عليها. والرؤيا قد تدعي امتلاك الحقيقة؛ أما اللغة التي تكشف من خلالها الرؤيا عن الحقائق المدعاة فهي لغة الحكاية المجازية التي تعتمد الرمز والاستعارة والتخييل والتجسيم، وغير ذلك من الأساليب البلاغية للتعبير عن المعاني العميقة. لذا، فهي تحتاج إلى قدرات متميزة للوصول إلى تأويل مقبول للحقيقة المطروحة فيها.
هذا، ويلتقي الشعر والرؤيا في أهم الخصائص؛ فالشعر - كما الرؤيا - لا ينقل الواقع نقلا حرفيا، ولا يعبر عنه تعبيرا تقريريا. فالشعر رؤيا لمآل الأشياء كما يجب أن تكون عليه، لذا يعمل - دائما - على تحوير الأشياء حتى تتلاءم مع طموحات الشاعر ورغباته. ولتحقيق ذلك، يستخدم لغة جمالية تعتمد التكثيف والترميز والتخييل؛ فالشعر الحديث أخذ من الرؤيا قدرتها المعرفية الاستبطانية التي تعتمد الحدس والتجربة الداخلية. وبهذا التصور، تحول مفهوم الشعر إلى رؤيا قائمة على الحدس والتبصر والاستبطان الذي يخترق المرئي إلى ما وراءه، ويتجاوز الحادثة الواقعة إلى جوهر الإبداع.
وبذلك، أصبح الشعر مكانا للانفتاح الدائم، ومجالا للابتعاد عن التقريرية ليتحول إلى شعر يكثف تجربته من خلال الرمز والتخييل، معتمدا الرؤيا والحدس اللذين يخترقان الواقع ومشكلاته بغرض الكشف عن علاقاته الخفية. وقد أدخل هذا التوجه الشعر في إشكالية الغموض التي لم تصبح أمرا لازما لشعر الحداثة وحسب، بل ضرورة لإنتاجه.
المطلوب:
أكتب موضوعا إنشائيا، وفق تصميم منهجي متكامل ومنسجم، أحلل فيه هذا النص النظري مستثمرا مكتسباتي المعرفية واللغوية والمنهجية، ومسترشدا بما يأتي:
- تأطير النص ضمن سياقه الثقافي والأدبي، ووضع فرضية لقراءته.
- تحديد القضية التي يطرحها النص، وعرض أهم العناصر المكونة لها.
- رصد خصائص الرؤيا في الشعر الحديث، حسب ما ورد في النص.
- بيان الطريقة المعتمدة في بناء النص، وإبراز الأساليب الموظفة في عرض القضية التي يطرحها، ورصد مظاهر الاتساق في النص.
- صياغة خلاصة تركيبية لنتائج التحليل، ومناقشة قول الكاتب: "وقد أدخل هذا التوجه الشعر في إشكالية الغموض التي لم تصبح أمرا لازما لشعر الحداثة وحسب، بل ضرورة لإنتاجه"، مع إبداء الرأي الشخصي وتعليله.
ورد في رواية "اللص والكلاب" ما يأتي:
"لا يمر يوم دون أن تستقبل القرافة ضيوفا جددا. وكأن لم يبق من غاية إلا أن تقبع وراء الشيش لترى الموت في نشاطه الدائب. والمشيعون أحق بالرثاء. يذهبون في جموع باكية، ثم يعودون وهم يجففون الدموع ويتحادثون. وقوة أقوى من الموت نفسه هي التي تقنعهم بالبقاء. هكذا دفن الذاهبون من أهلك."المطلوب:
انطلق من هذا المقطع ومن قراءتي الرواية، وأكتب موضوعا متكاملا أنجز فيه ما يأتي:
- وضع المؤلف في سياقه العام.
- تحديد موقع المقطع ضمن المسار العام لأحداث الرواية.
- إبراز دور الموت بوصفه قوة فاعلة في نمو أحداث الرواية وتطورها.
- تركيب المعطيات المتوصل إليها لإبراز قيمة الرواية الأدبية والفنية.